قتل اللغة في معقلها!
التأريخ: الثلاثاء5/ رجب/1424 الموافق 2/9/2003 مسيحية
العنوان: شكوى اللغة


لله در حافظ حين قال متحدِّثا بلسان ( العربية ) : سقى الله في بطن الجزيرة أعظما * يعز عليها أن تلين قناتي حفظن ودادي في البلى وحفظته * لهن بقلب دائم الحسرات بالأمس صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية، فطعنت ( العربية ) من أبناء جلدتها ، وأسهموا في اعوجاج قناتها، ولم يُحفظ ودادها، وما زال وزير التربية والتعليم يلت ويعجن، ويقبل ويدبر، ويجلب بخيله ورجله إلى أن تم له ما أراد، فوضع الخطوة الأولى لقتل لغته بنفسه، وليته صرف مجهوده إلى معالجة مشكلة الضعف اللغوي، وإلى تصحيح تدريس اللغة العربية في المراحل التعليمية؛ لكنه صرف تلك الأفكار والجهود والأموال إلى عقوق لغته رافعًا راية التغريب.

إن الشعارات التي يتلفظ به لا تكفي لحماية جناب اللغة، بل لا بد من فعل يوافق هذا اللفظ؛ لكن الوزير خالف فعلُه قولَه.

إن هذا البلد مميز عن غيره، فحكّامه يرجعون نسبًا إلى بني حنيفة، وبنو حنيفة سكان الرياض، والرياض قلب نجد، ونجد قلب الجزيرة ( العربية ) فاجتمعت فيهم ما لم تجتمع في غيرهم من الحكام من حيث أصالة النسب والمكان، والوزير المشمر لساقه عن تلك الجهود هو ممن تخرج في كلية اللغة ( العربية ).

فهذا القرار اتُّخِذَ في قلب الجزيرة ( العربية ) فكان كما قال طرفة :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

والجميع يعلم أن اللغة العربية تعاني من جراحات، وتشوهات ولم تتخذ القرارات المفعلة لحمايتها، بل اتخذ قرار يزيد في جراحاتها.

إن لم يحمِ هؤلاء الحكام اللغة ( العربية ) فمن يحيمها؟! أيحميها بنو ديفد، وآل جون، والسماثا؟!

لماذا ننظر إلى الآخرين، ونحب أن نكون تابعين لا متبوعين، ألا ترى أنهم يضربون المثل بالفرنسيين، والألمان؛ لاعتزازهم بلغتهم، ولا يضربون المثل بأمتنا. ألا ترغب أيها الوزير في أن يكون بلدك مضرب المثل في الانتماء اللغوي؟

وإن تعجب فعجب من منافحة بعضهم عن مثل هذه القرارات، ووصم أبناء اللغة العربية بالتخلف وعدم مواكبة العصر، ثم تراهم بلا حياء يتفوهون بأن اللغة العربية محفوظة ومكانتها معلومة عندهم، وكلامهم هذا لا يتجاوز حناجرهم؛ لأنهم لا يجيدون التطبيق العملي لما يتكلمون به.

ومما يؤسف عليه أن يكتب التأريخ أن بدء تغريب اللغة في هذا البلد كان على يد حكومة مِن أرومة العرب، وفي لب الجزيرة العربية.

إن لكل شيء حدا يقف عنده، فتعلم اللغات الأجنبية مطلب ضروري، وإنشاء دور الترجمة مظهر حضاري؛ لكن الاهتمام بها لا يصل إلى مزاحمة اللغة العربية في مرحلة التكوين لدى المتعلم، وكان الأجدر هو النظر في مقررات التعليم في المراحل التي تلي المرحلة الابتدائية.

ومما يضحك أن الوزير ومن دار في فلكه يريدون تعليم اللغة الإنجليزية على يد معلمين ليسوا من أهل اللغة، فلا تعجب إذا سمعت الطلاب يقولون : (زس، و سمسنج ) وتصبح لكنتهم هندية أو بنجلاديشية! فصدقت عليه مقولة الشعبي : ( أتت فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء ).

إذا كان الوزير قد فشل في تقديم اللغة العربية بصورة مقبولة لدى الطلاب؛ حيث يتخرج الطالب في المرحلة الابتدائية وهو لا يجيد القراءة الكتابة، ومعلوم أن مواد اللغة العربية ستكون أكثر من اللغة الإنجليزية، فإذا كان الأمر كذلك فكيف سيكون وضع اللغة الإنجليزية؟!

ولتطمئن قلوب صانعي القرار في الدول العظمى؛ لأن عملية التغريب قد تكفل بها أناس من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا، وهم أحرص من أولئك على التغريب!

لقد تتابعت المصائب في هذا البلد بدءا من الأمنية وانتهاء بالهوية وفقدان الولاء اللغوي، فلله المشتكى وحده ؛ إذ لا سامع للغة ( العربية ) في مهدها؛ لأنها قتلت بأيدي أقرب الناس إليها وهم فرحون مستبشرون، يذودون عن قرارهم بالقوة!






هذه المقالة مكتوبة في موقع الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

الرابط لهذه المقالة :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=News&file=article&sid=20