رحلة إلى ابن الرومي !
التأريخ: الجمعة29/ صفر/1426 الموافق 8/4/2005 مسيحية
العنوان: الأدب


هيا امتط صهوة جوادك أمامنا مشوار طويل لا يجدر بك أن تتأخر ، دعنا ننتقل من زمن المادة التي أفسدت أذواقنا وجعلت حياتنا مكتئبة مضطربة ، دعنا نعد إلى التاريخ ، دعنا نشم عبق الماضي ، دعنا نتفيأ ظلال الحضارة الحقة لا الحضارة الزائفة . هيا أسرع ...

نحن الآن على مقربة من مركز حضارة الدولة العباسية ، بل مشعل النور الذي أضاء حضارة الأمة العربية والإسلامية كلها . هل سألت نفسك أي سنة نعيش أحداثها الآن ؟

إنها السنة الثالثة والثمانون بعد المئتين من الهجرة . لقد مات في هذه السنة رجل أبهر ذوي الألباب ، هل تعرفه ؟ أنا على يقين أنك تعرفه حتى وإن تجاهلته ! هل ستفعل مثل ما فعل نقاد عصره، بل حتى نقاد عصرنا الحديث ؟

نسوه بل تناسوه . سوف أجيبك على يقين مني أنك تعرفه . إنه شاعر العربية الكبير الذي يعد ديوانه أطول دواوين الشعر العربي ، إنه علي بن العباس المعروف بابن الرومي . أخي هب لي بعض الوقت . لا تقاطعني ، دعني أبح لك بما في صدري تجاه هذا الإنسان الذي امتلك العقول وحرك العواطف .

ابن الرومي ذلك الشاعر رائد المدرسة العقلية في الشعر ، رب المعاني الذي يقلبها حيث يشاء . وقد أصاب طه حسين عندما عده و أبا تمام من مدرسة واحدة هي مدرسة المعاني ، لكنهما يختلفان في طريقة معالجتها ، فأبو تمام يغوص في المعنى حتى إذا تأكد أنه فُهم تحوّل منه إلى غيره . أما ابن الرومي فيقلب المعنى على جميع الوجوه حتى يأتي فيه بجميع الصور . لم يعجبني طه حسين عندما فسر ذلك بكون طريقة ابن الرومي تدل على استخفاف بعقليات القراء والمستمعين بعكس طريقة أبي تمام التي تنبع من احترامه لعقلياتهم ؛ لأن الشعر أولاً وأخيراً يعتمد على العاطفة اعتماداً كبيراً فتقليب المعنى وتصويره من عدة وجوه مدعاة إلى تصويره في أذهان المتلقين تصويراً مثالياً وكأنه صورة حية مباشرة لما يعانيه الشاعر من حب أو ألم ، ولا أدل على ذلك من رثائه لابنه الأوسط محمد ، فكم تحس النفس بالألم وتجهش العين بالبكاء عندما تُسمع قصيدته التي تعبر عن معاناة الشاعر بدقة متناهية ، وانظر إلى أخرى لتعيش معنى الحب واللوعة والشوق إلى المحبوب بكل صوره في قصيدته الغزلية في وحيد . إني أرى هذا الشاعر قد ظُلم كثيراً عندما صُوّر بأنه إنسان متشائم متطير يعيش قلقاً نفسياً رهيباً ، فوُضعت له القصص الملفقة .

وأنا هنا لا أنفي التشاؤم والقلق في الشاعر ولكن ليس إلى الدرجة التي وضعت له ، فأشعاره كثيرةٌ لا تصور هذا فقط . لماذا نهتم بجانب ونغفل جانباً آخر . في شعره الكثير من الحكم والمدح والحب والتفاؤل . ولعل الذي غلف بعض جوانب حياته باليأس ما مر به من أحداث عظيمة لو مرت بآخر لهدت قواه ومنها موت أمه و زوجته وأخيه وثلاثة من أبنائه . ولا أنسى نقاد عصره الذين أهملوه ، فعملوا المقارنات بين أبي تمام والبحتري والمتنبي أيهم أشعر ؟ من أمثال أبي العلاء المعري وابن الأثير وغيرهما .

وأنا أرى ذلك الإهمال من عدة وجوه محتملة :

أولها كون ابن الرومي لم يكن عربي الأصل في وقت كانت الشعوبية تسيطر على أجواء عصر الدولة العباسية .

ثانيها كون ابن الرومي غير ميّال إلى الخلفاء والأمراء والولاة للتزلف وكسب الهدايا والهبات، فلم ترد له قصص كثيرة في ذلك .

ثالثها كون ابن الرومي ذا مزاج متقلب مما يوحي بغربة نفسية كان يعيشها كردة فعل لما عاناه في حياته من مآسي .

رابعها طريقته الشعرية في استقصاء المعاني التي تعتبر حديثة في عصره لم يتعود عليها أبناء جيله من الشعراء والأدباء والنقاد .

وربما كانت هناك وجوه أخرى تسوغ إهمال النقاد له . ومهما يكن من شيء فلا يزال ابن الرومي شاعر العربية الكبير الذي لابد أن تكتب أشعاره بأحرف من ذهب ، فهي تعبر عن عقلية عظيمة وعبقرية نادرة . أخي ما رأيك بهذه الرحلة ؟ هل شكلت لديك علامات استفهام ؟ هل بلورت أمامك علامات تعجب ؟

يسرني أن تتأملها وتشاركني الرأي . افعل ...........







هذه المقالة مكتوبة في موقع الشنكبوتية
http://www.toarab.ws

الرابط لهذه المقالة :
http://www.toarab.ws/modules.php?name=News&file=article&sid=45