موقع يعنى باللغة العربية وآدابها

الرئيسة >> نثر العرب >> أوس بن حارثة >> وصية أوس بن حارثة لابنه مالك
وصية أوس بن حارثة لابنه مالك
عاشَ الأوسُ بنُ حارثةَ دهرًا وليس له وَلَدٌ إِلاَّ مَالِكٌ. وكان لأخيه الخَزْرَجُ خَمْسةٌ : عَمْرٌو، وعَوْفٌ، وجُشَمٌ، والحَارِثُ، وكَعْبٌ؛ فلمَّا حَضَرَه المَوْتُ قال له قومُه :
قد كنَّا نَأْمُرُكَ بالتَّزْويجِ في شَبَابِكَ فلم تَزَوَّجْ حتى حَضَرَكَ المَوتُ!
فقال الأوسُ :
لم يَهْلِكْ هَالِكٌ، تَرَكَ مِثْلَ مَالِكٍ، وإنْ كان الخَزْرَجُ ذا عَدَدٍ وليسَ لِمَالِكٍ وَلَدُ، فلعَلَّ الذي اسْتَخْرَجَ العَذْقَ مِن الجَرِيْمَةٍ، والنَّارَ مِن الوَثِيمَةِ أَنْ يَجْعَلَ لِمَالِكٍ نَسْلاً، ورِجالاً بُسْلاً.
يا مَالِكُ:
المَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةُ، والعِتَابُ قبلَ العِقَابِ، والتَّجَلُّدُ لا التَّبَلُّدُ.
واعْلَمْ أَنَّ القبرَ خيرٌ مِن الفقرِ، وشَرٌّ شَارِبِ المُشْتَفِّ، وَأَقْبَحُ طَاعِمِ المُقْتَفِّ.
وذَهَابَ البَصَرِ خيرٌ مِن كثيرٍ مِن النَّظرِ، ومِن كَرَمِ الكريمِ الدِّفاعُ عن الحَرِيمِ، ومَن قَلَّ ذَلَّ، ومَنْ أَمَرَ فَلَّ، وخيرُ الغِنَى القناعةُ وشَرُّ الفقرِ الضَّرَاعَةُ.
والدَّهرُ يومانِ : فيومٌ لك، ويومٌ عليكَ؛ فإذا كان لك فلا تَبْطَرْ، وإذا كان عليك فَاصْبِرْ، فكلاهما سَيَنْحَسِرُ؛ فإنما تُعِزُّ مَن ترى ويُعِزُّك مَن لا ترى، ولو كان الموتُ يُشْتَرَى لَسِلَمَ منه أهلُ الدّنيا؛ ولكنَّ الناسَ فيه مُسْتَوُونَ : الشريفُ الأَبْلَجُ، والّلئيمُ المُعَلْهَجُ.
والموتُ المُفِيتُ خيرٌ مِن أَنْ يُقال لك : هَبِيتَ.
وكيفَ بالسَّلامةِ لِمَنْ ليست له إِقَامَةٌ، وشَرٌّ مِن المُصِيبةِ سُوءُ الخَلَفِ، وكل مَجْمُوعٍ إلى تَلَفٍ، حَيَّاكَ إِلهُكَ.

Twitter Facebook Whatsapp